ما نعرفه و ما لا نعرفه في علم الفيزياء . ( الجزء الأول )


ما نعرفه و ما لا نعرفه في علم الفيزياء

بقلم : جبايلي عبد الغني

What we know and what we  don't know in physics 

By : Djebaili Abdelghani   


  إن علم الفيزياء لهو علم واسع , شاسع , متفرع ... فنحصي أكثر من 30 تخصصا كلها تنبع من الفيزياء فنجد : الفيزياء الفلكية  و الفيزياء النووية و الفيزياء الذرية و الجزيئية  الكيميائية و التطبيقية و الأرضية ............ إلخ .
و كل هذه التخصصات قد ظهرت مع الثورة العلمية التي بدأت مع بداية القرن العشرين أين ظهرت نظريتي النسبية لأينشتاين (A.Einstein ) و ميكانيكا الكم لماكس بلانك ( Max Planck ) .
و مع بداية العشرينيات ظهر مفهومان آخران طغيا على الفروع الآخرى ( مع أنهما كانا كذلك مرتبطين بالنسبية و ميكانيكا الكم ) و هما : علم الكوسمولوجيا (Cosmology ) و علم فيزياء الجسيمات الأولية أو دون الذرية ( Elementary particle physics ) .


-1-
فالكوسمولوجيا : هو علم الكون , و الذي يقوم بدراسة أصل الكون .... كيف تكون ؟ كيف بدأ و ما هو مصيره ؟ و قد ظهرت الكوسومولوجيا  منذ زمن قديم , في عهد الإغريق ذلك لأنهم ارادوا معرفة هذا الكون و لكنهم كانوا يعتمدون فقط على أسس فلسفية دائما ما تؤول إلى المنطق الصوري و تفسير الظواهر كما تراها العين ... و كانت دائما متصلة بعلم الفلك البدائي نوعا ما في ذلك الوقت ........
و لكن بعد ألاف الأزمنة و مع بداية عشرينات القرن العشرين ظهر علم الكوسمولوجيا كعلم مستقل يجمع بين نظريات الفيزياء و أرصاد الفلكيين . و لم يكن لهذا العلم أن يبزغ للنور لولا حنكة بعض العلماء أهمهم : إيدوين هابل (E.Hubble ) صاحب السبق العلمي في تفسير بداية الكون . 
و لكن ما هي الأعمال التي قام بها هابل حتى تسنى له نقل العلم إلى أقصى حدوده ؟ 

لقد قام إدوين هابل عن طريق إستخدام تلسكوب جبل ويلسون  أن يبين أن الكون ليس ثابتا بل في توسع مستمر و ذلك لأنه أكد لأول مرة أن السحابة التي كان يراها الفلكيون كل مرة يرصدون فيها السماء لم تكن سحابة في الحقيقة بل هي مجرة بأكملها هي مجرة ' الأندروميدا ' ( تم إكتشافها في يوم 23 / نوفمبر /1924 ) و بهذا الإكتشاف لم نصبح في مجرة وحيدة في الكون بل هناك مجرة أخرى بل و مجرات أخرى .... و راح هابل بعد ذلك يقوم بتحليل الضوء القادم من هذه المجرة و وجد أنها تبتعد عن مجرتنا ( درب التبانة ) و بتطبيق ظاهرة إنزياح دوبلر على الضوء لاحظ أن هذه المجرة لونها ينزاح نحو الأحمر و بهذا أوجد قاعدة هي أن كل الأجسام التي تبتعد عنا ينزاح لونها نحو اللون الأحمر و طول الموجة يزداد أما الأجسام التي تقترب منا في تميل نحو اللونين الأزرق و البنفسجي  و الطول الموجي للإشعاع يقل*
و بهذا الإكتشاف تم طرح أسئلة عديدة كلها خلصت لنتيجة " حتمية " أنه بما أن كل المجرات تبتعد عن بعضها فحتما فإن الكون يتسع فذلك لأن للكون بداية و بهذا ظهرت " نظرية الإنفجار العظيم " للوجود أي أن كل المادة و الطاقة و الزمان و المكان لم يكن لهم وجود , و في زمن يقدر بجزء من بليون جزء من الثانية ظهرت نقطة ضئيلة ( كل العناصر السالفة الذكر كانت متجمعة في هذه النقطة ) التي في الاصل صغيرة حتى على  حبة الخردل تسمى بلغة الفيزياء اليوم بنقطة ' المتفردة ' Singularity . و طبقا للملاحظات و الحسابات الفلكية فإن الكون الوليد هذا كان جد حار ( حرارة جد مرتفعة ) . و بعد مدة من الزمن أصبح الكون يتمدد طبقا لنظرية التضخم الكوني ..... و أصبحت درجة حرارته تنخفض شيئا فشيئا .... إلى هذه النقطة وجب الإشارة إلى أن الكون في لحظة حرجة أقل من 12-^10 ثانية كان الكون مكونا من قوة وحيدة تجمع كل القوى التي نعرفها الآن ( قوى الجاذبية - القوة الهرومغناطسية و القوة النووية الضعيفة و النووية القوية ) فبعد هذه اللحظة إنفصلت هذه القوى لأجزاء كما نعرفها الآن و أكبر مشكل يؤرق العلماء و الرياضيين هو إعادة دمج هذه القوى و فق معادلة واحدة ( تسمى بنظرية كل شيئ)  و حتى أنا دخلت الخط في محاولة لإيجاد نظرية لكل شيئ ..... و هو أمر بالغ الصعوبة و ذلك لوجود عدة عوامل أهمها عدم توفر البيانات اللازمة لما حدث قبل إنفصال القوى فحتى أكبر المراصد إستطاعت لحد الآن رصد أبعد مجرة تبعد عنا بحوالي 12.8 مليار سنة ضوئية و هي على بعد مليار سنة ضوئية عن لحظة الإنفجار العظيم و التي تقدر ب 13.8 مليار سنة ضوئية حسب بيانات تلسكوب بلانك الفضائي . و يجب القول أنه لحد الآن إستطاع الفيزيائيون دمج 3 قوى هي القوة النووية القوية و الضعيفة و القوة الكهرومغناطيسية بما أن كل هذه القوى تعمل على المستوى المجهري أو مستوى ميكانيكا الكم و فق نظرية تسمى النظرية الكهرونووية ..... و بقيت قوة وحيدة هي قوة الجاذبية و التي تعمل فحسب في عالم الكبائر أو مستوى النسبية العامة و هناك بالفعل جهود جبارة لتوحيد الجاذبية مع القوى الأخرى بما يعرف نظرية جاذبية الكم أو The Quantum Gravity . و يمكن للبوزون المكتشف حديثا بوزون الهيغز أن يكون الحلقة المفقودة في النظرية بما أنه المسؤول عن إكتساب المادة لكتلتها و بالتالي التأثير الجاذبي لديها .  
كان الكون الإبتدائي مليئا بالطاقة الخالصة و التي ولّدت فيما بعد أول نواة و أول ذرة هي نواة الهيدروجين و بعملية الإندماج النووي حسب علاقة إينشتاين المشهورة تم دمج نوى الهيدروجين المختلفة ( الديتوريوم و التريتيوم ) لتشكيل ذرات الهيليوم الأثقل و تم ظهور أول نجم في الكون ...... و في داخله تم تحويل نوى الهيدروجين و الهيليوم إلى عناصر أثقل أخرى ( الليثيوم و الكربون و النيتروجين .... إلخ ) . و خلال هذه العملية تظهر الفوتونات Photons ( جسيمات الضوء ) هذا الضوء الذي نرصده الآن و هو نفس الضوء الذي نراه في خريطة إشعاعات الخلفية الكونية The Microwave Background  Radiation Map . 

ما كان من قصة بداية الكون كل شيئ طبيعي و يتوافق تماما مع قوانين الفيزياء إلا بعض المشاكل .

و لكن بعد 13.8 مليار عام من بداية الكون و الذي هو عصرنا . إكتشف العلماء عن طريق الصدفة إكتشافا لا يتوافق مع حساباتهم .
كتلة المجرة و لغز المادة السوداء :
ربما سمعتم عن المادة السوداء تلك المادة الغامضة و التي لا يعرف علماء الفلك و الفيزياء ماهيتها أو مما تتكون و إنما يعرفون فقط أنها موجودة و لكن كيف تم إكتشافها ؟ 
بينما كان الفلكيون يراقبون مركز مجرتنا ( Milky way ) و عند معالجتهم للبيانات تبين أن النجوم التي تدور حول المركز تسير بسرعة أكبر من المعدل الطبيعي و هو ما يتنافى مع قوانين كبلر و نيوتن حول عمل الجاذبية حيث أن الأجسام كلما أقتربت من مصدر نطاقها الجاذبي ( في هذه الحالة مركز المجرة ) فإها تزيد من سرعتها و لكن بمقدار محدد و و ما لم يتوافق مع أرصاد العلماء لذا راحوا في إطلاق الفرضيات التي تقول أن هناك مادة خفية تزيد من كتلة المجرة و النجوم و لا تتفاعل مع المادة المرصودة لذا لا يمكن رؤيتها و سموها بالمادة السوداء ( The Dark Matter ) . و هناك جهود علمية دولية للكشف عن مكونات المادة السوداء و إجراء تجارب متعددة إنطلاقا من فرضيات لعل أهم تجربة و أكثرها جدا هي تلك التي تقول أن امادة السوداء مكونة من جزيئات صغيرة و مخادعة تعرف ب(WIMPS ) إختصارا  (Weak Interacting massive Particles )
و التي تعني باللغة العربية الجسيمات الضخمة ضعيفة التأثير ... و يجدر الإشارة إلى أن ولا تجربة لحد الآن قد كشفت عن وجود هذه الجسيمات و أشهر تجربة يتم إجرائها هي ( تجربة إمكانية تفاعل الويمبس مع المادة الطبيعية ( المبردة ) و قد تم إسعمال عنصري ' السيليسيوم و الجرمانيوم لهذا الغرض  ' )  في أعماق منجم في ولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية لأنه يحتوي على الظروف الملائمة لذلك .) *. 
و في الصورة الموالية إحصاءات لنسبة المادة الغامضة في الكون مقارنة بالمادة المرصودة فالمادة السوداء تشكل أكثر من 20 % من حجم الكون بينما المادة الطبيعية لا تشكل إلا حوالي 4 %.



و هناك عنصر آخر و هو الطاقة السوداء التي تشكل أغلبية الكون و لكن ما هي الطاقة السوداء ؟ هذا ما سنتكشفه في الجزء الثاني من هذه المقالة فيما بعد ...... دمتم 


* Physics what we Do and Don't Know : Steven Weinberg
** Wikipedia The Free encyclopedia 

تعليقات

المشاركات الشائعة